خلي بالك من زيزي.. ألا تقودك “الصوابية السياسية” | رأي




لم يكن مسلسل خلي بالك من زيزي من الأولويات عند الكثيرين قبل انطلاق الموسم الرمضاني، رغم ضمه فريق من الممثلين جيد للغاية، وهو لمؤلفة ومخرج حققا نجاحات كثيرة من قبل.

لكن مع بدء شهر رمضان حظى بمتابعة لافتقار الموسم للمسلسلات الكوميدية، فلا يوجد سوى عملين كوميدين آخرين هما أحسن أب لعلي ربيع “15 حلقة”، وفارس بلا جواز، لمصطفى قمر.

المسلسل جاء على عكس التوقعات على مستوى الكوميديا، فهو ليس مسلسلا كوميديا، بل تشغل مساحة بسيطة منه، تعتمد على ما تفجره بعض المواقف، كما أن التوتر الذي ظهرت به شخصية زيزي أو زينب “أمينة خليل” جعل البعض ينصرف منه.

لكن مع مرور الحلقات، بدأ المسلسل، الذي يعبيه اسمه المفتقر للخيال والمعتمد على اسم فيلم ناجح، في استقطاب المشاهدات، نظرا لكونه مسلسلا مختلفا، يعالج الكثير من القضايا المجتمعية، بعيدا عن سياق الشعارات أو التعليمية.

في السنوات الأخيرة، أصبحت المسلسلات والأفلام الأجنبية التي تعالج/ تناقش بعض المشكلات الاجتماعية، خاضعة لما يسمى بـ”الصوابية السياسية”، وصار هناك مناهج محددة لمعالجات هذه الأعمال، تماشيا مع بعض التغييرات العالمية الخاصة بقضايا حقوق الأقليات والعنف ضد المرأة وحقوقها.

في مصر أو الوطن العربي، ما زالت بعض الأعمال بعيدة إلى حد ما عن هذه المنهجية في التعامل مع هذه القضايا، رغم أن المنظمات النسوية والمدافعين عن قضايا العنف ضد المرأة ينتفضون ضد ظهور معالجات قد لا تعجبهم بشأن هذه القضايا.

ولسنا بصدد الحديث عن هذه المنهجيات، ولكن ما سبق هو رصد لواقع، فالدراما يجب أن تكون حرة، فكما إن التمييز والعنف جريمة، فإن صناعة قوالب محددة للمعالجات الدرامية هي جريمة في حق الفن.

وأحد نقاط قوة المعالجة التي اعتمد عليها مسلسل خلي بالي من زيزي، هو تقديمه لقصص أو حكايات مختلفة تدور جمعيها عن العلاقات الزوجية وتربية الأطفال، دون المباشرة أو الالتزام بأفكار محددة سلفا، بل قدم شخصيات حية وترك تقييمها للمشاهد، مع تشريح هذه المشاكل وتقديم بعض الحلول، لكن دون السقوط في فخ المباشرة أو التوجيه.

الآن، بعد مرور 15 حلقة من المسلسل عند كتابة هذه السطور، فإن المسلسل ما زال يحقق نجاحات كبيرة في استقطاب المشاهدين، خاصة بعد الدخول في أهدافه الرئيسية بشكل واضح.

زيزي شخصية متوترة للغاية تنفجر أزمة مفاجأة لها وللجمهور مع أولى الحلقات، حين تُبلغ زوجها هشام “علي قاسم” بعدم نجاح عملية الحقن المجهري مجددا، وتبدأ الحديث معه عن المحاولة الجديدة، لكنه يصدمها برغبته في عدم استكمال حياتهما الزوجية، فتتعدى عليه بالضرب وتكسر سيارته.

تنطلق الأحداث في مسارات أخرى، ويفتح المسلسل مع الحلقات خيوطا درامية أخرى، جمعيها تصب فيما يريد مناقشته، باستثناء خط درامي واحد، لم يقدم له أي تبرير حتى الآن، وهي قضية الأرض الخاصة بالمحامي مراد “محمد ممدوح” وشقيقته هدى “أسماء جلال”.

وبالعودة إلى التوتر الذي ظهرت به أمينة خليل، فهو لم يقدم له مبرر في الحلقة الأولى، لكن هناك شخصيات هذه طريقتها في الحياة، فضلا عن أن عمليات الحقن المجهري تتطلب تناول أدوية بالتأكيد تؤثر على الحالة النفسية للشخص.

لكن مع توالي الأحداث فقد وضع السيناريو، الذي كتبته منى الشيمي ومجدي أمين، بإشراف من السيناريست مريم نعوم، تبريرا لهذا التوتر، الذي ظهرت به، ليس من خلال شخصية زيزي فقط، لكن مع ظهور شخصية الطفلة تيتو أو عطيات “ريم عبدالقادر” وهو أحد الخطوط الدرامية الجيدة والمحكمة في العمل.

فالعمل لم يكتف بحكي ماضي زيزي من خلال تيتو وتعرضها للتنمر بسبب اسمها والمشاكل العائلية ومعاناتها من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لكنه تعامل مع تيتو بشكل مختلف من خلال اهتمام المدرسة وتجنيب الأبوين وليد “علي الطيب” وهدى مشكلتهما، لكي يجعل مستقبل تيتو مختلفا بطرق التريبة الحديثة عما وصلت إليه زيزي، التي هي سبب إزعاج لكل من حولها، دون أن تدرك ذلك.

وأهم ما يميز هذان الخطان غير المتقاطعين ظهريا، هو ترك الأحداث ترشد المشاهد لما يهدف له صناع العمل، وعلى جوانب أخرى يقدم المسلسل حكايات أخرى لنماذج من المشاكل الأسرية.

اهتم المسلسل بـ3 خطوط بشكل رئيسي هي قصة زيزي وهشام، وأزمة تيتو، وخلافات هدى ووليد، ثم هناك خطوط أقل اهتماما مثل نيللي “نهى عابدين” وزوجها المتواجد بالخارج ومعاناتها بمفردها، وهي أيضا ماضي لوالدتها كوكي “سلوى محمد علي” الذي يتواجد زوجها بالخارج وزواجه من سيدة أخرى، وعلاقة ناريمان “صفاء الطوخي” المتوترة بابنتها زيزي ويمكن اعتبرها جزءا من القصة الخاصة بزيزي، وعلاقة مراد بالسيدات اللواتي يترافع عنهن.

وسواء كانت الخطوط الرئيسية أو الفرعية فكلها نماذج أو تنوعيات لمشاكل اجتماعية مختلفة، يُشرّحها العمل، لا يصادر فيها على شخص دون آخر، لكنه يقدمها بشكل محايد، ويترك المساحة لكل منهم لتقديم تبريراته، أو الاعتراف بالخطأ أحيانا، فالجميع في المسلسل لديه تشوهات بسبب الطفولة أثرت على حياته فيما بعد.

وهذه طبيعة العلاقات الإنسانية، فباستثناءات متعلقة بالظلم الأحادي الموجه من طرف لآخر، فإن أغلب الاختلافات والمشكلات بين الأفراد مهما كانت طبيعة علاقتهم لا يكون فيها طرف مخطئ وآخر مصيب بشكل كامل.

مع انتصاف حلقات المسلسل، فإن زيزي بدأت حياة جديدة، وكذلك هشام، فيما خطوط أخرى ما زالت لم تصل لنقطة التغيير، وهو ما ستكشفه الحلقات المقبلة من المسلسل، ولذلك لا يمكن تقديم صورة كاملة عن المسلسل، حتى تنتهي أحداثه بشكل كامل.

لكن ما يمكن قوله حتى الآن إن المسلسل نجح في تقديم شخصياته وأزماتهم بشكل واضح دون الإغراق في الدراما القاتمة أو الكوميديا المبالغ فيها، وإن مخرج العمل كريم الشناوي نجح مع طاقم الممثلين في تقديم أفضل ما لديهم، خاصة أمينة خليل وعلي قاسم ونهى عابدين وسلوى محمد علي وصفاء الطوخي.

وأيضا إخراجيا فالمسلسل يتنقل بالمشاهدين بين الكوميديا والحزن والتأثر بشكل جيد للغاية، وهي أمور تحسب للمخرج كريم الشناوي والمونتير باهر رشيد.

على جانب آخر، فهناك عوامل نجاح أخرى بالمسلسل هي أغنية التتر لشارموفرز، من كلمات وألحان أحمد بهاء، فهي أغنية جيدة ومعبرة عن جوهر المسلسل، وكذلك الموسيقى التصويرية التي وضعها خالد الكمار.

واستفاد المسلسل من ظهور ضيوف الشرف دراميا، فقد ساهم محمد فراج “مدرس التمثيل”، وكرم جبر “مدرب الألعاب القوى” في تغيير شخصية زيزي، ينطبق الأمر نفسه على الطبيب النفسي دكتور سامي “صبري فواز”، فرغم كونه ضيفا في المسلسل يساهم في تغيير شخصية زيزي، وضمن الفريق، الذي يساهم في علاج تيتو، فإن له خطا دراميا أيضا خاصا بمعاناته النفسية، بسبب ابنته.



Source link

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى